اذا فرط المسلم في ما وُكّل إليه من مسؤوليه فإن الله
وبعد أن عرفنا المسؤولية لغةً واصطلاحاً، وبعد أن عرفنا أهم خصائصها وبعد أن وقفنا على شروط المسؤولية ومناطها يمكننا الآن التعرف على أنواع المسؤولية وأهدافها. ويمكن إجمال هذه الأنواع المسؤولية في المجالات الثلاثة وهي:
1. المسؤولية تجاه الخالق.
2. المسؤولية تجاه الاسرة.
3. المسؤولية تجاه المجتمع.
1. المسؤولية تجاه الخالق:
إن الله عز وجل لا تنفعه عبادة العابدين، ولا يضره صدود المعرضين والكافرين، ولا يزيد في ملكه حمد الحامدين، ولا ينقصه جحود الجاحدين، ولو كانوا على أفجر قلب واحد ما نقص ذلك من ملكه شيئا ولو كانوا كلهم على أتقى قلب رجل واحد لم يزد ذلك في ملكه شيئا، ولم يبلغوا ضره فيضروه، ولم يبلغوا نفعه فينفعوه، فهو الغني والكل فقراء إليه، هو الغني عن الوسطاء والحجاب والأنداد. كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾
فهم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات، وهو الغني عنهم بالذات، هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له، وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه.
إذاً علاقة الإنسان مع ربه أسمى العلاقات وميدان المسؤولية فيها أقدس الميادين وذلك؛ لأنها علاقة العبد مع ربه، والمخلوق مع خالقه. وتشمل المسؤولية في هذا الجانب إلى ناحيتين: جانب الاعتقاد وجانب السلوك.
أما المسؤولية في جانب الاعتقاد: فتشمل في المحافظة على أركان الإيمان الستة التي وردت في حديث جبريل عليه السلام «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» وفي المحافظة على ما يتعلق بهذه الأركان من مسائل فرعية عقدية.
أما المسؤولية في جانب السلوك: فتشمل في المحافظة على أركان الإسلام الخمسة، وما يلحق بها من عبادات فرعية.
وفيما يلي أذكر هذين الجانبين بنوع من التفصيل:
1. جانب الاعتقاد:
تعريف العقيدة:
مأخوذ من العقد بمعنى الربط، والتوثق، والإثبات، ومنه اليقين والجزم. وتطلق كذلك على الحكم الذي لا يقبل الشك فيه لدى معتقده
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمّا بعـد: فقد جاء الإنسان إلى الدنيا وهو يعلم لماذا جاء إليها؟ كما أنه يدرك حقيقة انتسابه للمجتمع الكبير الذي فيه يحيا وبين أرجائه يعيش..
مقاصد الخلق وعلاقتها بالمسئولية:
لقد خلق الله تعالى عباده في تلك الحياة لغايات منشودة، ومقاصد معدودة -ترتبط برسالة الله إلى البشر- من: توحيده وعبوديته والعمل على تعمير الأرض وبنائها وتزكية النفس البشريّة.. ولا يتحقق تعمير الأرض بلا مسئولية يتحملها الفرد نحو نفسه والمجتمع مِن حولِه.. فكان مبدأ المسئولية من أهمّ مبادئ الشريعة الإسلامية ومن أخطر قضايا الدين الحنيف..
ويوم أن غاب استشعار المسئولية عن حياة النّاس: ضاعت القيم، واحتلّت البلدان، ومُيّعت الثوابت، وفرّط الناس في الكثير من المبادئ والأخلاقيات، وتحكّمت الأهواء، وضاعت الحضارة، وصارت على هامش الحياة؛ حين كثُرَ حبّ الدنيا، ونسى الناس لقاء ربّهم..
ودعونا نبدأ لقاءنا اليوم بآية عظيمة تضعنا أمام مهمتنا الحقيقية في الأرض، غير أن تبدأ من النهاية لا من البداية، يقول تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30].. تضعك هذه الآية أمام مسئوليتك: ماذا قدّمت؟ وماذا فعلت لنفسك ومجتمعك؟
أنـــواع المسئوليــــــة:
وتتجسّد المسئولية في كل لحظة من لحظات حياتنا؛ وتتنوّع إلى مسئولية يتحملها الفرد عن نفسه، ومسئولية يتحمّلها عن مجتمعه ووطنه وأمّته من حوله..
فأمّا المسئولية الفردية:
فنجد التأكيد القرآني عليها كثيرًا كثيرًا؛ حيث يقول الملِك سبحانه: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه: 15]، ويقول أيضًا عن الحساب يوم القيامة: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [غافر: 17] ولذا فإنّ السؤال يوم القيامة سيكون للفرد عن نفسه أولا قبل أيّ أحد غيره، قال عزّ مِن قائل: {وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 95] ويقول جلّ شأنه: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ} [الصافات: 24]. ويقول تقدست أسماؤه: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38]..
اذا فرط المسلم في ما وُكّل إليه من مسؤوليه فإن الله