في عهد اي من الخلفاء الراشدين كان عام الرمادة
الفصل الرابعإدارة أزمة عام الرمادةأنموذج القيادة والحكم الراشدلأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه- تمهيد:من بين أسماء الصحابة الكبيرة، يبرز اسم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وحوله - دائماً - هالة كبيرة من الإكبار والإجــلال، توارثتها الأجيال المســــلمة، ولم تنكرها عليه الأوســـاط غير المســـلمة، التي تنصــف الرجال، وتعرف أقدارهم( ).هذا التقدير للخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد ترجم بين العلماء والدارسين، على مر العصور، إلى دراسات تبحث وتدور كل منها حول ناحيةٍ من نواحي شخصيته، كعدالته، وفتوحاته، التي أشرف عليها وتمت في خلافته، واجتهاداته الفقهية، وقراراته، وعبقريته في مجالاتٍ كثيرة.لقد امتد التشريع الإسلامي، بعد عصر الرسـول صلى الله عليه وسلم والخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، الذي وضع ملامح الشكل السياسي للخلافة الإسلامية، من خلال الخطبة( )، التي ألقاها من على منبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، بعد توليه أمر الخلافة والتي حدد فيها ملامح أسس الحكم، وبلور شكل دستوره( ).ويلاحظ أن الخليفة الصديق أسس لوجود دســــتور تسير عليـه الحكومـة( ). وهو ما سار عليه الخلفاء الراشدون من بعده، عمـر بن الخطـاب، عثمـان بن عفـان، وعلـي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين.المبحث الأولأنموذج عمر بن الخطاب رضي الله عنهفي إدارة أزمة عام الرمادةارتبطت أكبر الأزمات في الدولة الإسلامية، بعصر الخليفة الراشد الفاروق عــمــر بن الخطاب رضي الله عنه ، ثاني الخلفاء الراشــــدين، الذي اتســــعت في عهده الدولة الإســـــلامية وازدادت الفتوحات والانتصـــارات؛ ومن أشهر الأزمات، التي تعرضت لها الدولة ما عرف بأزمة عام الرمادة( ).وقعت الأزمــــــــة الاقتصــــاديـــة في شــــــبه الجــزيــــرة، وعمت منطـقـة الحجاز وما حولها حتى أجهدتهم. سميت هذه الأزمة بعام الرمادة( ). كانت في آخر السنة السابعة عشرة وأوائل السنة الثامنة عشرة من الهجرة، بما يوافق السنة الخامسة من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، واستمرت تسعة أشهر( ).لقد كان من أثر انحباس المطر تسعة أشهر كاملة، وهبوب الرياح، وهلاك الزرع والضرع، جوع أهلك الناس والأنعام، فقد فني الكثير من قطعان الغنم والماشية، وجف ما بقي منها( ).وكان لذلك تبعات وآثار اقتصـــادية امتد أثرها إلى الأسواق، فلم يبق فيها ما يبـــاع ويشــــترى، وأصـــــــــبــــحت الأموال في أيـــدي أصحابها لا قيمة لها، إذ لا يجدون لقاءها ما يسد رمقهم، وطال الجهد واشتد البلاء، فكان الناس يحفرون أنفاق اليرابيع والجرذان ويخرجون ما فيها. وكان أهل المدينة أحـــــــــسن من غيرهم حالاً أول العهد بالمجاعـــــــــة، فالمدينة حضـــــــر، ادخر أهـــــــله حين الرخاء ما اعتاد أهل الحضر ادخاره، فلما بدأ الجدب جعلوا يخرجون ما ادخروا يعيشــــون منه. لذلك، فإن أكثر من تضـرر في بداية المجـــاعة هم أهل البادية، ولم يكن لديهم مدخر، فاشتد بهم الكرب في أول الأمر، ثم هرعوا إلى المدينة يجأرون إلى أمير المؤمنين بالشكوى ويلتمسون لدى أهلها فتاتاً يقيمهم( ). وامتد ضررها لتشمل سكان المدينة ومنطقة الحجاز( ).نقل الْوَاقِدِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «لَمَّا كَانَ عَامُ الرَّمَادَةِ، جَاءَتِ الْعَرَبُ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَكَانَ عُمَرُ قَدْ أَمَرَ رِجَالاً يَقُومُونَ بِمَصَالِحِهِمْ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ لَيْلَةً: أَحْصُوا مَنْ يَتَعَشَّى عِنْدَنَا، فَأَحْصَوْهُمْ مِنَ الْقَابِلَةِ فَوَجَدُوهُمْ سَبْعَةَ آلافِ رَجُلٍ، وَأَحْصَوُا الرِّجَالَ الْمَرْضَى وَالْعِيَالاتِ فَكَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا. ثُمَّ بَعْدَ أَيَّامٍ بَلَغَ الرِّجَالُ وَالْعِيَالُ سِتِّينَ أَلْفًا، فَمَا بَرِحُوا حَتَّى أَرْسَلَ اللَّهُ السَّمَاءَ، فَلَمَّا مَطَرَتْ رَأَيْتُ عُمَرَ قَدْ وَكَلَ بِهِمْ يُخْرِجُونَهُمْ إِلَى الْبَادِيَةِ وَيُعْطُونَهُمْ قُوتًا وَحِمْلانَا إِلَى بَادِيَتِهِمْ، وَكَانَ قَدْ وَقَعَ فِيهِمُ الْمَوْتُ فَأَرَاهُ مَاتَ ثُلُثَاهُمْ، وَكَانَتْ قُدُورُ عُمَرَ يَقُومُ إِلَيْهَا الْعُمَّالُ مِنَ السَّحَرِ يَعْمَلُونَ الْكُرْكُورَ وَيَعْمَلُونَ الْعَصَائِدَ»( ).- أولاً: إدارة الأزمة من منظور السنن الإلهية:تطلق السُنّة في اللغة على السيرة والطريقة، حسنة كانت أو قبيحة، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم : «مَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِها بعْدَهُ كُتِب لَه مثْلُ أَجْر من عَمِلَ بِهَا وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، ومَنْ سَنَّ فِي الإسلام سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وزر من عَمِلَ بِهَا ولا يَنْقُصُ من أَوْزَارهِمْ شَيْءٌ»( ).الأزمات ظاهرة ترافق ســـــائر الأمم والشعوب في جميع مراحل ازدهارها أو تراجعها، ذلك أن الإنسان والكون والحياة يخضعون لسـنن ونواميس وقوانـــــين، والحياة بكل ما فيها لا يمكن فهمها ولا التعـرف على أســـــــباب أزماتها ومواطن إصــاباتها إلا بعد إدراك هذه الســـــنن، من خلال مقدمات تورث نتائج.وتعرف السنن الإلهية بأنها( ): «مجموعة القوانين، التي يسير وفقها الوجود كله، وتتحرك بمقتضاها الحياة. وتحكم جزئياتها ومفرداتها فلا يشذ عنها مخلوق، وما في الكون ذرة أو حركة إلا لها قانون وسنة، فكل الكائنات الحية من إنسان وحيوان ونبات إلا وله قـانون، وما من كوكــب أو نجم إلا وله قانون لا إرادي أو لا ذاتي يســـير وفقه، وما من حركة نفســية أو اجــتـماعية أو نقلة حضـــارية إلا ولها قانون أيضاً يتجلى في الأسباب والعوامل المؤدية إليها»( ).1- أهمية تفعيل السنن الإلهية:تفعيل السنن الإلهية، يعين على وصل الأحداث الواقعية بما سبق من تاريخ الأمم، والاستفادة مما استفادت به الأمم السابقة، واستقراء الواقع بعين مجردة تعين المحلل على إيجاد الثغرات وتجنب الهفوات والعثرات، وإيجاد صلة بين العقيدة والإيمان.وبما أن أهـــم وظـــيــــــفــة لـــوجــــود الإنســــان هي الاســــــتـــخـــلاف في الأرض، فإن مفهوم «السُنن» يُشكل بعداً محورياً في فهم حقيقة الإنسان، وحقيقة وظيفته الاستخلافية في هذا الكون، وفهم طبائع الحياة وأنماط العيش، وإدراك التغيرات والتحولات، التي تأخذ حيزها في الآفاق والأنفس، والتاريخ، وفق سنن مضطردة.أما فيما يتعلق بالأزمة، فإن الســــنن ترسم بعداً مآلياً للقرارات، الــتي تتــخذ في رســم السـياسات العامـــــــــة لإدارة الأزمـــات، «فمن النـــــاس من لا يستطيعون العيش إلا في مناخ الأزمات مثل الاحتكاريين في أزمان الحروب والمجاعات، الذين يتلاعبون بأقوات الناس ومصالحهم، فهم بذلك يصنعون الأزمة ويصعدون عليها ولا يعالجونها»( ).والسنن الكونية لا تحابي أحداً، ولا سبيل للنهوض والبناء الحضاري والوقاية من الأزمات إلا باستيعاب هذه السنن وسبل تسخيرها، وكيفية التعامل معها، وفهم قوانين الأشياء، وقوانين الخلق، والتعامل معها، ومغالبة قدر بقدر، والوعي أن هذه السنن على صرامتها لا تلغي فعل الإنسان وإرادته، وإنما تمنحه القدرة على الرؤية الصائبة( )
في عهد اي من الخلفاء الراشدين كان عام الرمادة