لا يدخل الجنة قتات
- وعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
1520- وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "الْأَوْسَطِ"
1521- ولَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ ابْنِ أَبِي الدُّنْيَا.
1522- وعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خِبٌّ، ولَا بَخِيلٌ، ولَا سَيِّئُ الْمَلَكَةِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وفَرَّقَهُ حَدِيثَيْنِ، وفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
1523- وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ تَسَمَّعَ حَدِيثَ قَوْمٍ وهُمْ لَهُ كَارِهُونَ؛ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَعْنِي: الرَّصَاصَ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهُداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث فيها التَّحذير من هذه الأخلاق السيئة، فالمؤمن يتحرى الأخلاق الفاضلة، فمما شرعه الله الدَّعوة إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، وكان أهلُ السنة يدعون إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، كما دعا إليها الشرعُ المطهر.
ومن مساوئ الأخلاق: النّمامة، وصاحبها هو القتَّات، النَّمَّام، فلا يجوز للمسلم أن يتعاطى النّمامة، يقول ﷺ: لا يدخل الجنةَ قتَّاتٌ يعني: نمَّام، وقال الله جلَّ وعلا: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [القلم:10- 11]، وفي الحديث يقول ﷺ أنه مرّ على قبرين، قال: يُعذَّبان، وما يُعذَّبان في كبيرٍ، ثم قال: بلى، أما أحدهما فكان لا يستتر من بوله، وأما الآخر فكان يمشي بالنَّميمة نسأل الله العافية.
والحديث الثاني فيه التَّحذير من الأخلاق السيئة؛ وهي الخداع، والبخل، وسُوء الملكة: لا يدخل الجنةَ خِبٌّ، ولا بخيلٌ، ولا سيئ الملكة، هذا وإن كان في سنده ضعف، ولكن معناه صحيح، تحريم سيئ الأخلاق، والخبّ هو الخداع كما في "النهاية"، الخب: الخداع، الذي يستغفل الناسَ في الفساد، والبخيل معروف، وسيئ الملكة: سيئ التَّصرف، ويحتمل المراد بسيئ الملكة في مماليكه وبهائمه؛ فيظلمها، ويحتمل سيئ الملكة: سيئ الخلق، فينبغي للمؤمن أن يتحرَّى طيب الأخلاق، طيب السيرة مع أولاده، ومع مماليكه، ومع بهائمه.
وكذلك يقول ﷺ: مَن كفَّ غضبَه كفَّ الله عنه عذابه، هذا فيه مُجاهدة للغضب؛ لأنَّ الغضب شرّه كبير، وتقدَّم قوله ﷺ: ليس الشديدُ بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب، وقال رجلٌ: يا رسول الله، أوصني، قال: لا تغضب، فقال: أوصني، قال: لا تغضب، فردد مِرارًا قال: لا تغضب، أوصاه بالوصية وكررها عليه؛ لأنه إذا غضب قد يضرب، قد يقتل، قد يسبّ، قد يشتم، فينبغي له المجاهدة في كفِّ غضبه.
وكذلك الحديث الرابع فيه الحذر لمن تسمَّع لحديث قومٍ وهم له كارهون؛ لأنه قد يكون فيه سرٌّ فيُفشيه عليهم، ويضرّهم سماعه: مَن تسمَّع حديث قومٍ وهم له كارهون صُبَّ في أذنيه الآنُك -يعني: الرصاص- يوم القيامة، فلا يجوز الاستماع لحديث قومٍ؛ التَّسمع عليهم في أحاديثهم في التليفون، أو في غير ذلك من وجوه السرّ، لا يتسمَّع لهم، ولا يتوخَّى سماع أحاديثهم؛ لأنه قد يكون ذلك يضرّهم، فلا يجوز للمسلم أن يتسمّع حديث قومٍ وهم له كارهون.
رزق الله الجميع العافية والسلامة.
الأسئلة:
س: هناك حالتان قد يحتاج فيها الإنسانُ إلى تسمع كلام الناس: الحالة الأولى: قد يخشى من بعض الناس ضررًا عليه، فيُريد أن يستكشف الأمر، هل يجوز؟
ج: ظاهر الحديث العموم، إلا إذا وُجدت أمارات تدل على الخطر فلا بأس.
س: الحالة الثانية: لو أنَّ هناك منكرًا، وهو مرتاب من الفاعل، أو من المنكر الموجود، وأراد أن يتأكَّد حتى يُنكر؟
ج: لا، يُعرض عنه، لا يجوز تتبع الناس.
س: ابن حجر والنووي وكثير من العلماء عندهم تأويل وأخطاء، فهل يُعدّون من الأشاعرة؟
ج: على حسب تأويلاتهم؛ إن كان التأويل، الإنسان إذا وجد من عالم تأويلًا لا يُتابعه في التأويل، كل عالم له هفوة، وله أخطاء، فطالب العلم يتبع الحقَّ بالدليل، ولا يتتبع هفوات العلماء.
س: هناك بعض الأشخاص يشترط أنَّك إذا ذكرت ابن حجر أو النووي أن تقول بعد اسمه: الأشعري؛ لئلا تُضلل الناس، فما صحَّة هذا الشيء؟
ج: لا، هذا ما له أصل.
س: امرأة قد أرضعت فلانًا وفلانةً برضعات أكثر من العدد المُعتبر شرعًا -أكثر من خمس رضعات- ومضت على هذا عدَّة سنوات، وبعد ذلك أنكرت تلك المرأة هذه الرضعات، فهل يُعتبر إنكارها بعد مضي هذه السنين؟
ج: لا بدّ من ثبوتٍ على شهادتها وإقرارها بالرضاع.
س: ثابت إقرارها بلا شكٍّ، يعرفونها أهلها وقرابتها؟
ج: إذا ثبت أن ناسًا شاهدوها بالرضاع، هذا شيء آخر، العُمدة عليهم، أما إن كان العُمدة عليها ورجعت ما يُعتبر إقرارها.
س: القول الصحيح في الصلاة الوسطى: صلاة الظهر، أو صلاة العصر؟
ج: العصر بنصِّ الرسول عليه الصلاة والسلام.
س: الفرق بين القتَّات والنَّمام؟
ج: المعنى واحد.
س: بالنسبة لدخول الجنة: لا يدخل الجنة قتَّات، المقصود دخول الوعيد؟
ج: هذا من باب الوعيد، قد يعفو الله عنه: ويَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].
س: دخولًا أوليًّا؟
ج: لا، ما يحتاج إلى تأويلٍ، قد يعفو الله عنه.
س: الأنوار التي تُرى في السماء هل هي الشُّهب التي تُرمى بها الشياطين.
ج: الله أعلم.
س: قول الترمذي: "حديث حسن صحيح غريب"؟
ج: ذكر العلماء أنه قد يكون أراد أنَّ له طريقين: طريق حسن، وطريق صحيح، وقد يكون عنده شكٌّ، معناه: حسن، أو صحيح، عنده تردد.
س: بعض أهل العلم يقول: إذا قال الترمذي: "حديث حسن" وسكت، فالغالب فيه الضَّعف، فما صحَّة ذلك؟
ج: لا، هو اصطلاحه رحمه الله، فيه نظر، نبَّه عليه الحافظُ ابن حجر في شرح "النُّخبة".
س: نقرأ في كتب بعض الرجال ترجمة، يقول: "فلان يقول: لا إله إلا الله"، فأي مرتبةٍ من الجرح والتَّعديل، في أي مرتبةٍ هذه في الجرح والتَّعديل؟
ج: ما أعرف الكلام هذا، ما يكفي هذا، كل مسلم يقول: لا إله إلا الله، ما يكفي هذا.
س: قال يعني: إذا ..... الجرح ما يُقبل حديثه؟
ج: أقول: هذا الكلام ما يُعتمد عليه، يقول: لا إله إلا الله، ما يكفي في التَّجريح والتَّعديل، حتى المنافقين يقولون: لا إله إلا الله.
1524- وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ. أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.1525- وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنْ تَعَاظَمَ فِي نَفْسِهِ، واخْتَالَ فِي مِشْيَتِهِ، لَقِيَ اللَّهَ وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، ورِجَالُهُ ثِقَاتٌ.1526- وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وقَالَ: حَسَنٌ.1527- وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الشُّؤْمُ: سُوءُ الْخُلُقِ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
الشيخ: الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهُداه.
أما بعد: فهذه الأحاديث الأربعة فيها التَّحذير من هذه الأخلاق السيئة:
الأول: كون الإنسان يشتغل بعيوب الناس، هذا خلق سيئ؛ ولهذا قال في الحديث: طوبى لمن شغله عيبُه عن عيوب الناس، يعني: الإنسان يُفكر في نفسه، ويجتهد في إصلاح عيوبه، وفي تحسين خلقه، ويكفيه ذلك عن الشغل بعيوب الناس.
لا يدخل الجنة قتات